عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
121
اللباب في علوم الكتاب
على الحال ، إلّا أن هذا القول يبعده قوله تعالى : ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ، إلا أن يكون من ترشيح المجاز ، وقد تقدّم له نظائر . وقرىء « 1 » « يرجعون » من « رجع » اللّازم . اعلم أن الجسد الخالي [ عن ] « 2 » الرّوح يظهر منه النّتن والصّديد ، وأصلح أحواله أن يدفن تحت التّراب ، والرّوح الخالية عن العقل يكون صاحبها مجنونا يستوجب القيد والحبس ، والعقل بالنسبة إلى الرّوح كالرّوح بالنسبة إلى الجسد ، والعقل بدون معرفة اللّه وطاعته كالضّائع الباطل ، فنسبة التوحيد والمعرفة إلى العقل كنسبة العقل إلى الرّوح ، ونسبة الروح إلى الجسد ؛ فمعرفة اللّه ومحبّته هي روح الرّوح ، فالنّفس الخالية عن هذه المعرفة تكون كصفة الأموات ، فلهذا السّبب وصف الكفّار بأنهم موتى . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 37 ] وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وهذا من شبهات منكري نبوّة محمّد صلى اللّه عليه وسلم لأنهم قالوا : لو كان رسولا من عند اللّه فهلّا أنزل عليه آية قاهرة . روي أنّ بعض الملحدة طعن فقال : لو كان محمّد قد أوتي بآية معجزة لما صحّ أن يقول أولئك الكفّار : لولا نزّل عليه آية ، ولما قال : « قل إنّ اللّه قادر على أن ينزل آية » . والجواب أن القرآن معجزة قاهرة وبيّنة باهرة ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - تحدّاهم به فعجزوا عن معارضته ، فدّل على كونه معجزا . فإن قيل : فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف قالوا : « لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ » * . فالجواب من وجوه : الأول : لعلّ القوم طعنوا في كون القرآن معجزة على سبيل اللّجاج والعناد ، وقالوا : إنه من جنس الكتب ، والكتاب لا يكون من جنس المعجزات كالتّوراة والإنجيل والزّبور ، فلأجل هذه الشّبهة طلبوا المعجزة . الثاني : أنهم طلبوا معجزات [ قاهرة ] من جنس معجزات سائر الأنبياء مثل « فلق البحر » و « إظلال الجبل » و « إحياء الموتى » . الثالث : أنهم طلبوا مزيد الآيات على سبيل التّعنّت واللّجاج مثل إنزال الملائكة ، وإسقاط السماء كسفا . الرابع : أن يكون المراد ما حكاه اللّه عن بعضهم في قوله : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] .
--> ( 1 ) ينظر : روح المعاني 7 / 147 ، البحر المحيط 4 / 123 . ( 2 ) في ب : من .